الشيخ محمد رشيد رضا
37
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاحكام المفيدة لهذا الصلاح ما عملوا بها . ومن آثار علمه وحكمته إرجاء النص على توبتهم في كتابه ، ومن هذه الحكمة تكرار تأثير تلاوة المؤمنين للآيات في ذلك في الأوقات المتفرقة ، فإنها من أعظم آيات القرآن ترهيبا وتخويفا ، وعظة وتهذيبا * * * ( 107 ) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 108 ) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ، لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 109 ) أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ؟ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 110 ) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * * * نزلت هذه الآيات الأربع في واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين ، لم أر أحدا بين حكمة خاصة لتأخيرها عن أمثالها مما نزل في أعمال المنافقين . ووضعها هنا في سياق توبة المذنبين من المؤمنين : ما تقدم منها فقبل ، وما تأخر فأرجيء ، وقد بينا الحكمة العامة في تفريق الآيات في الموضوع الواحد - وهو تجديد الذكرى والعظة ، وما تقتضيه من التأثير والعبرة - في مواضع متعددة من الكلام على التناسب ووجوه الاتصال بين الآيات . ولعل بعض ضعفاء المؤمنين كانوا قد شايعوا أولئك المنافقين الاثني عشر الذين بنوا مسجد الضرار في عملهم جاهلين مقاصدهم منه ، فأريد بوضع القصة هنا وإبهام عطفها على من ارجأ اللّه الحكم